اعتنت الدراسات النصية الغربية بمفهوم التماسك بوصفه العمود الفقري لما يُفرِّق بين النصّ وغيرِ النصّ ، بيد أنّ هذا المفهوم ظلَّ مشوبًا بشيء من الغموض والتداخل ، إذ لم تتفق الدراسات النصيّة الغربية على تعريفٍ محدّدٍ له ، وتلك مشكلة يرى بعض الباحثين أنّها « تنبثق من طبيعة النص ذاته ، إذ تنصبّ عليه بحوثٌ متعددة الاختصاصات والتوجُّهات ، مما يجعل تحديد مفهوم عامٍّ للتماسك أمرًا عسيرًا » ([1]). وبالوقوف على هذا الرأي نجده قد احتوى وجهين : الأوّل : كون النص قد نُظِر إليه من زوايا متعددة ، فنتج من تلك الزوايا تعريفاتٌ كثيرةٌ للنص ، فهذا واضح لا شكّ فيه . والآخر : أنّ تحديد مفهوم للتماسك قد بات أمرًا عسيرًا ، فهو بحاجة إلى مزيد تأمل ونقاش ، ذلك أنّ تعريفات النصّ المتعددة باختلاف توجهاتها كانت تتفق في كون التماسكِ المؤشّرَ الأبرزَ في وجود النصّ ، وأنّه الرابط بين أجزاء النص ، وهو الذي يحقق للنصّ وجوده ، فيفرّقُ بين النصّ وغير النصّ . وإذا تتبعنا تعريفات (التماسك) المختلفة ، والفروق المذكورة بينهما ، فإنّه يمكننا حصر مفهوم ( التماسك ) في الدراسات الغربية في اتجاهين رئيسين : الأوّل : يرى أنّ التماسك خاصيّة نصيّة تتحقق من خلال النصّ ذاته ، وينقسم القائلون بهذا إلى أقسام ثلاثة : 1- من يرى أنّ التماسك أمرٌ شكليّ . 2- من يرى أنه أمرٌ دلالي . 3- من يمزج بينهما ، فيرى أن التماسك مركّب من الشكل والدلالة ، ولا يمكن الفصل بينهما ، وأنّ وجود أحدهما مؤشر على وجود الآخر . الثاني : يرى بأنّه لا يمكن أن نصف نصًّا ما بأنّه متماسك أو غير متماسك بعيدًا عن المتلقي ، بل إنّ المتلقي هو الذي يحكم على النصّ بالتماسك أو عدمه ، وعلى هذا فالتماسك أمرٌ خارجي ([2]). ونشأ الخلاف في تعريف (التماسك) عند أصحاب المذهب الأوّل من اعتماد مصطلحَيْنِ في اللغة الإنجليزية ، هما : ( cohesion ) و ( coherence ) ، فقد عدّهما بعض الباحثين شيئًا واحدًا ، في حين رأى آخرون أنّ فرقًا بينهما يجبُ أن يُلحظ ، باعتبار الأول مرتبطًا بالبنية السطحيّة للنص ، في حين يرتبط المصطلح الثاني بالبِنية العميقة للنص ([3]). وعند العودة إلى تعريفات كِلا المصطلحين في الدراسات النصيّة والمعاجم اللسانية المتخصّصة ، نجد أنّها لم تتفق على تعريف واحد لأيّ منهما ، فالخوليُّ يجعل التماسك (cohesion) في حدود ضيقة لا تتعدى الكلمة الواحدة ، وذلك في تعريفه التماسك بأنّه: « درجة التجاذب بين عنصرين لغويين في جملة واحدة ، مثلًا : تتماسك ( ly ) مع (quick) في كلمة ( quickly ) أكثر من تماسك ( quickly ) مع ( came ) في ( He came quickly ) »([4]). ومثل هذا التعريف نجده في ( معجم المصطلحات اللغوية ) إذ جاء فيه أنّ التماسك (cohesion) هو « مدى الترابط بين عنصرين لغويين ( مورفيمين أو كلمتين ) أو أكثر . ويكون هذا الارتباط أقوى ما يكون بين المورفيم الحر، والمورفيم المقيّد الذي يتّصل به ، نحو : أخذت ( أخذ + ت ) . ومن المواضع التي تظهر فيها قوة الترابط ما ذكر النحاة العرب أنّه لا يجوز فصله بالأجنبي ، ولاسيما المضاف والمضاف إليه »([5]). وهذان التعريفان غير صالحين لوصف التماسك النصّي ؛ لاعتمادهما على المفردة الواحدة في حال استقلالها أو ارتباطها بغيرها في حالة الإضافة ، أو الجار والمجرور ، وبحثُنا إنّما هو في النصّ باعتباره الوحدة الكبرى في التحليل اللغوي . أمّا رقية حسن فإنّها تعرّف التماسك ( cohesion ) بأنّه : « ما يجعل النصّ مترابطًا ، وقد يكون ذلك الترابط نحويًّا أو معجميًّا ، أو صوتيًّا كما في النصوص الشفاهية »([6]). ونلحظ في هذا التعريف عمومَه ، وعدمَ تحديده بشيء ، ومن ثَمَّ لا يصلح أن يكون تعريفًا جامعًا ، فما الذي يجعل النصَّ مترابطًا ؟ وهل هو مجرّد ربط شكليّ تدلّ عليه أداة نحوية أو صرفيّة ؟ وماذا يقال في نصٍّ يرتبط بعضُهُ ببعض ، من غير وجود روابط نحويّة أو صرفيّة ؟ وهذا ما أخذه ريتشاردز ( J. Richards ) على مثل هذا التعريف ، فإنّه قد ترتبط جملتان أو أكثر من غير أن يكون بينهما رابط نحوي أو معجمي ، وساق على سبيل المثال جملتين : A: Could you give me a lift home ? B: Sorry, I'm visiting my sister . ( أ: هل بإمكانك أن توصلني إلى البيت ؟ ب :عفوًا , أنا ذاهب لزيارة أختي ) إذ لا توجد روابط نحوية أو معجمية بين السؤال والإجابة ، لكن حَدَثَ التماسُكُ ؛ لأنّ كلًّا من ( A ) و ( B ) يعرف أنّ أخت ( B ) تعيش في الاتجاه المقابل لمنزل ( A ) . ثم يستنتج ريتشاردز أنّ النصّ « يصبح متماسكًا إذا وجدت سلسلة من الجمل تطور الفكرة »([7]) . وقد تأثّر بوسمان ( Hadumod Bussmann ) بتعريف رقية حسن السابق ، فقال: « يعتمد التماسك على عدّة معان لسانية (نحوية و معجمية و صوتية) تلتصق بوساطتها الجمل بعضها ببعض ، مكوِّنة وحدةً أكبر ، كالفقرة أو المقطع النصّي » . ويضيف قائلًا : « إنّ التماسك قد ينتج بوساطة أمور عدّة ، منها : 1 – تكرار بعض عناصر النص . 2 – ضغط بعض عناصر النصّ بوساطة الحذف . 3 – استخدام بعض العناصر النحوية أو الصرفية لإظهار بعض العلاقات بين الجمل، كاستخدام الروابط أو العلاقات الإسنادية أوغيرها » ([8]). ويقال فيما أورده بوسمان ما قيل في تعريف رقية حسن ، ونزيد عليه : ما المقصود بالالتصاق( stick together ) هنا ؟ ألا يحيلنا إلى مجرد عملية ميكانيكية شكلية ؟ أليس في استخدام مفردة ( stick ) إحالة إلى الصمغ أو الغراء الذي يلصق الأشياء بعضها ببعض ؟ وإذا قلنا بهذا فإنّ الغراء قد يلصق جسمين مختلفين ، ولا يكوّنان بالضرورة شيئًا واحدًا ، فهاتان جملتان ارتبطتا برابط نحوي ، ولا تعدّان مع ذلك متماسكتين ، وعلى الرغم من وجود الرابط ( لأنّ ) بين الجملتين : ( يدور القمرُ حول الأرض ؛ لأنّ الطقسَ جميلٌ ) لكنهما لا تكونان نصًّا متماسكًا ؛ لأنّ الوقائع غير مترابطة ، فليس لواقعة ( الطقس الجميل ) أية علاقة بالواقعة العامة ، وهي أنّ القمر يدور حول الأرض([9]). ولعل ّ هذا ما جعل هاليداي ورقية حسن يعتبران مفهوم ( cohesion ) متضمّنًا علاقات المعني العام لكلّ طبقات النصّ ، تلك العلاقات التي « تميّز النصّي من اللانصيّ ، وتكوّن علاقة متبادلة مع المعاني الحقيقية المستقلة للنص مع الآخر ، فالتماسك (cohesion) إذن لا يركز على ماذا يعني النصّي بقدر ما يركز على كيفية تركيب النصّ باعتباره صرحًا دلاليًا »([10]). ومن هنا رأى نصيّون آخرون أن يميّزوا بين مصطلحين اثنين ، يختصّ الأوّل وهو (cohesion) بوصف التماسك الشكلي الذي يبرز على سطح النص في صيغة معجمية أوصرفية أو نحوية ، في حين يصف الثاني وهو ( coherence ) التماسك الدلالي الذي يكون على مستوى البنية العميقة للنص . ولمّا كان التماسك حاصلًا بامتزاج الشكليّ والدلالي ، إذ يكون أحدهما دليلًا على وجود الآخر ، فقد رأى بعض النصيين أن يوحّدوا بينهما ، ويجعلوا مصطلح (cohesion) دالًّا على الأدوات الشكلية ، كالروابط النحوية ، ودالًّا في الوقت نفسه على العلاقات الدلالية التي تفيد في جعل النصّ وحدة واحدةً ([11]). المرجع : ( الإحالة وأثرها في تماسك النص في القصص القرآني ) د. أنس بن محمود فجال ، ص 66 . رسالة دكتوراه ، جامعة صنعاء ، 2009 م .