أبو مالك النحوي أبو مالك النحوي غير متصفـــّح حالياً
عضو جديد
 
الملف الشخصي
رقــــم العضويـــــــــة: 276
تاريــخ التسجيـــــــل: Nov 2009
مكان الإقـــــامـــــــة:
مجموع المشاركــات : 13
افتراضي التماسك النصّي في الدراسات الغربية

التماسك النصّي في الدراسات الغربية




د. أنس بن محمود فجّال


اعتنت الدراسات النصية الغربية بمفهوم التماسك بوصفه العمود الفقري لما يُفرِّق بين النصّ وغيرِ النصّ ، بيد أنّ هذا المفهوم ظلَّ مشوبًا بشيء من الغموض والتداخل ، إذ لم تتفق الدراسات النصيّة الغربية على تعريفٍ محدّدٍ له ، وتلك مشكلة يرى بعض الباحثين أنّها « تنبثق من طبيعة النص ذاته ، إذ تنصبّ عليه بحوثٌ متعددة الاختصاصات والتوجُّهات ، مما يجعل تحديد مفهوم عامٍّ للتماسك أمرًا عسيرًا » ([1]).
وبالوقوف على هذا الرأي نجده قد احتوى وجهين :
الأوّل : كون النص قد نُظِر إليه من زوايا متعددة ، فنتج من تلك الزوايا تعريفاتٌ كثيرةٌ للنص ، فهذا واضح لا شكّ فيه .
والآخر : أنّ تحديد مفهوم للتماسك قد بات أمرًا عسيرًا ، فهو بحاجة إلى مزيد تأمل ونقاش ، ذلك أنّ تعريفات النصّ المتعددة باختلاف توجهاتها كانت تتفق في كون التماسكِ المؤشّرَ الأبرزَ في وجود النصّ ، وأنّه الرابط بين أجزاء النص ، وهو الذي يحقق للنصّ وجوده ، فيفرّقُ بين النصّ وغير النصّ .
وإذا تتبعنا تعريفات (التماسك) المختلفة ، والفروق المذكورة بينهما ، فإنّه يمكننا حصر مفهوم ( التماسك ) في الدراسات الغربية في اتجاهين رئيسين :
الأوّل : يرى أنّ التماسك خاصيّة نصيّة تتحقق من خلال النصّ ذاته ، وينقسم القائلون بهذا إلى أقسام ثلاثة :
1- من يرى أنّ التماسك أمرٌ شكليّ .
2- من يرى أنه أمرٌ دلالي .
3- من يمزج بينهما ، فيرى أن التماسك مركّب من الشكل والدلالة ، ولا يمكن الفصل بينهما ، وأنّ وجود أحدهما مؤشر على وجود الآخر .
الثاني : يرى بأنّه لا يمكن أن نصف نصًّا ما بأنّه متماسك أو غير متماسك بعيدًا عن المتلقي ، بل إنّ المتلقي هو الذي يحكم على النصّ بالتماسك أو عدمه ، وعلى هذا فالتماسك أمرٌ خارجي ([2]).
ونشأ الخلاف في تعريف (التماسك) عند أصحاب المذهب الأوّل من اعتماد مصطلحَيْنِ في اللغة الإنجليزية ، هما : ( cohesion ) و ( coherence ) ، فقد عدّهما بعض الباحثين شيئًا واحدًا ، في حين رأى آخرون أنّ فرقًا بينهما يجبُ أن يُلحظ ، باعتبار الأول مرتبطًا بالبنية السطحيّة للنص ، في حين يرتبط المصطلح الثاني بالبِنية العميقة للنص ([3]).
وعند العودة إلى تعريفات كِلا المصطلحين في الدراسات النصيّة والمعاجم اللسانية المتخصّصة ، نجد أنّها لم تتفق على تعريف واحد لأيّ منهما ، فالخوليُّ يجعل التماسك (cohesion) في حدود ضيقة لا تتعدى الكلمة الواحدة ، وذلك في تعريفه التماسك بأنّه: « درجة التجاذب بين عنصرين لغويين في جملة واحدة ، مثلًا : تتماسك ( ly ) مع (quick) في كلمة ( quickly ) أكثر من تماسك ( quickly ) مع ( came ) في ( He came quickly ) »([4]).
ومثل هذا التعريف نجده في ( معجم المصطلحات اللغوية ) إذ جاء فيه أنّ التماسك (cohesion) هو « مدى الترابط بين عنصرين لغويين ( مورفيمين أو كلمتين ) أو أكثر . ويكون هذا الارتباط أقوى ما يكون بين المورفيم الحر، والمورفيم المقيّد الذي يتّصل به ، نحو : أخذت ( أخذ + ت ) . ومن المواضع التي تظهر فيها قوة الترابط ما ذكر النحاة العرب أنّه لا يجوز فصله بالأجنبي ، ولاسيما المضاف والمضاف إليه »([5]).
وهذان التعريفان غير صالحين لوصف التماسك النصّي ؛ لاعتمادهما على المفردة الواحدة في حال استقلالها أو ارتباطها بغيرها في حالة الإضافة ، أو الجار والمجرور ، وبحثُنا إنّما هو في النصّ باعتباره الوحدة الكبرى في التحليل اللغوي .
أمّا رقية حسن فإنّها تعرّف التماسك ( cohesion ) بأنّه : « ما يجعل النصّ مترابطًا ، وقد يكون ذلك الترابط نحويًّا أو معجميًّا ، أو صوتيًّا كما في النصوص الشفاهية »([6]).
ونلحظ في هذا التعريف عمومَه ، وعدمَ تحديده بشيء ، ومن ثَمَّ لا يصلح أن يكون تعريفًا جامعًا ، فما الذي يجعل النصَّ مترابطًا ؟ وهل هو مجرّد ربط شكليّ تدلّ عليه أداة نحوية أو صرفيّة ؟ وماذا يقال في نصٍّ يرتبط بعضُهُ ببعض ، من غير وجود روابط نحويّة أو صرفيّة ؟ وهذا ما أخذه ريتشاردز ( J. Richards ) على مثل هذا التعريف ، فإنّه قد ترتبط جملتان أو أكثر من غير أن يكون بينهما رابط نحوي أو معجمي ، وساق على سبيل المثال جملتين :
A: Could you give me a lift home ?
B: Sorry, I'm visiting my sister .
( أ: هل بإمكانك أن توصلني إلى البيت ؟ ب :عفوًا , أنا ذاهب لزيارة أختي )
إذ لا توجد روابط نحوية أو معجمية بين السؤال والإجابة ، لكن حَدَثَ التماسُكُ ؛ لأنّ كلًّا من ( A ) و ( B ) يعرف أنّ أخت ( B ) تعيش في الاتجاه المقابل لمنزل ( A ) .
ثم يستنتج ريتشاردز أنّ النصّ « يصبح متماسكًا إذا وجدت سلسلة من الجمل تطور الفكرة »([7]) .
وقد تأثّر بوسمان ( Hadumod Bussmann ) بتعريف رقية حسن السابق ، فقال: « يعتمد التماسك على عدّة معان لسانية (نحوية و معجمية و صوتية) تلتصق بوساطتها الجمل بعضها ببعض ، مكوِّنة وحدةً أكبر ، كالفقرة أو المقطع النصّي » .
ويضيف قائلًا : « إنّ التماسك قد ينتج بوساطة أمور عدّة ، منها :
1 – تكرار بعض عناصر النص .
2 – ضغط بعض عناصر النصّ بوساطة الحذف .
3 – استخدام بعض العناصر النحوية أو الصرفية لإظهار بعض العلاقات بين الجمل، كاستخدام الروابط أو العلاقات الإسنادية أوغيرها » ([8]).
ويقال فيما أورده بوسمان ما قيل في تعريف رقية حسن ، ونزيد عليه : ما المقصود بالالتصاق( stick together ) هنا ؟ ألا يحيلنا إلى مجرد عملية ميكانيكية شكلية ؟ أليس في استخدام مفردة ( stick ) إحالة إلى الصمغ أو الغراء الذي يلصق الأشياء بعضها ببعض ؟ وإذا قلنا بهذا فإنّ الغراء قد يلصق جسمين مختلفين ، ولا يكوّنان بالضرورة شيئًا واحدًا ، فهاتان جملتان ارتبطتا برابط نحوي ، ولا تعدّان مع ذلك متماسكتين ، وعلى الرغم من وجود الرابط ( لأنّ ) بين الجملتين : ( يدور القمرُ حول الأرض ؛ لأنّ الطقسَ جميلٌ ) لكنهما لا تكونان نصًّا متماسكًا ؛ لأنّ الوقائع غير مترابطة ، فليس لواقعة ( الطقس الجميل ) أية علاقة بالواقعة العامة ، وهي أنّ القمر يدور حول الأرض([9]).
ولعل ّ هذا ما جعل هاليداي ورقية حسن يعتبران مفهوم ( cohesion ) متضمّنًا علاقات المعني العام لكلّ طبقات النصّ ، تلك العلاقات التي « تميّز النصّي من اللانصيّ ، وتكوّن علاقة متبادلة مع المعاني الحقيقية المستقلة للنص مع الآخر ، فالتماسك (cohesion) إذن لا يركز على ماذا يعني النصّي بقدر ما يركز على كيفية تركيب النصّ باعتباره صرحًا دلاليًا »([10]).
ومن هنا رأى نصيّون آخرون أن يميّزوا بين مصطلحين اثنين ، يختصّ الأوّل وهو (cohesion) بوصف التماسك الشكلي الذي يبرز على سطح النص في صيغة معجمية أوصرفية أو نحوية ، في حين يصف الثاني وهو ( coherence ) التماسك الدلالي الذي يكون على مستوى البنية العميقة للنص .
ولمّا كان التماسك حاصلًا بامتزاج الشكليّ والدلالي ، إذ يكون أحدهما دليلًا على وجود الآخر ، فقد رأى بعض النصيين أن يوحّدوا بينهما ، ويجعلوا مصطلح (cohesion) دالًّا على الأدوات الشكلية ، كالروابط النحوية ، ودالًّا في الوقت نفسه على العلاقات الدلالية التي تفيد في جعل النصّ وحدة واحدةً ([11]).
المرجع :
( الإحالة وأثرها في تماسك النص في القصص القرآني ) د. أنس بن محمود فجال ، ص 66 . رسالة دكتوراه ، جامعة صنعاء ، 2009 م .

__________________
رد مع اقتباس

  #1  
قديم 12-09-2009, 11:23 PM

 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

(أظهر الكل الأعضاء الذين شاهدوا هذا الموضوع منذ 10-17-2014, 11:02 AM (ضع) (تصفية)
لا توجد أسماء للعرض.
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:55 PM.


الحقوق محفوظة لشبكة ُ اللُّغويَّاتِ العَربيَّةِ